لم أكن أقصد من وراء سرد التزييف الواضح في
تاريخ صلاح الدين الأيوبي وعيسي العوَّام في الجزء الأول أنه قائد فاشل، ولكن ما العيب في أن تقول
ما له وما عليه ! الحقيقة أن النقد الذي تلقيته صورة مصغرة من داء أصيل في المصريين
هو ( صناعة الآلهة ) منذ العصور الأولي التي نستطيع بالكاد إدراكها ( العصر
الفرعوني ) وقد يكون لذلك أصول قبلها !
ندلل علي ذلك ببعض الأمثلة البسيطة
إذا كنت من أصحاب الذاكرة القوية لعلك تتذكر
" معركة قادش " التي انتصر فيها الملك رمسيس الثاني وبالغت كتبنا
المدرسية في كيل المديح إلي عظمة ودهاء هذا الملك المنتصر علي الحيثيين ! وصورت
نقوش المعابد رمسيس الثاني علي عجلته الحربية " وحيداً " يقتل الأعداء
بلا مساعدة من أحد !
رغم ذلك كتب المؤرخ المصري القديم "
بنتاؤر " في ملحمته الشعرية الأشهر في تراث الفراعنة ، أن رمسيس الثاني حين
هاجم دولة الحيثيين علي حدودهم حوصر في منطقة للمستنقعات ! وكان الهلاك قادماً لا
محالة حتي أنقذه " طلاب المدرسة العسكرية الحدودية " التي كانت هناك ! يقول
بنتاؤر في ملحمته أن الفرعون حين حوصر !
ناجي الرَّب " آمون " وجهر أمامه بشكواه من المصير المحدق به ، فأنقذه
آمون ! [1]
أين هي العظمة إذن في أن تتم محاصرتك
بالفيالق الأربعة للجيش ! ثم يهاجم الحيثيين فيلق " رع " ويدمروه كلياً
ويقتل الكثير من فيلق " آمون " ! ثم أن المعركة أصلاً إنتهت بالصلح بين
الطرفين وظلت قادش تحت حكم الحيثيين كما هي ! والشيء الإيجابي الوحيد كان تقدم
العجلات الحربية المصرية علي عجلات الحيثيين ! [2]
حدث الشيء نفسه مع " سيف الدين قطز
" القائد العظيم والمنتصر علي المغول والذي ثأر لبغداد منهم !
بالطبع درست رواية " وآإسلاماه "
العظيمة، وإذا كانت ذاكرتك جيدة فبالتأكيد تتذكر التغني بالمنتصر العظيم "
قطز " علي المغول !
ولكن هل كان الإنتصار كاملاً حقاً ؟! وهل قطز والجيش
المصري آنذاك هم من صد خطر هولاكو والمغول ؟!
لنعد بالتاريخ إلي سبب هجوم المغول علي دولة
المسلمين أصلاً ! لتجد أن طموح وطمع " محمد خوارزم شاه " هو السبب الأول
في ذلك، فقد بدأ طموحه التوسعي بالرغبة في ضم العراق ( وكانت تسمي بلاد فارس )
إليه ( وكانت أوزباكستان الحالية هي المملكة الخوارزمية آنذاك ) ولكن جيشه ضُرِب
بعاصفة ثلجية في الجبال وقتل معظمه وخطف الأكراد ما تبقي منه ( ومن هنا نشأت
الخرافة الكبري بأن بغداد محروسة وهي محض خزعبلات فقد أبيدت بغداد بعدها بسنوات ) لم
يجد بُدَّاً من الهجوم علي مملكة المغول " وكان حاكمها آنذاك جنكيز خان
" ليحقق طموحاته التوسعية. [3]
تشير المصادر التاريخية إلي أن " جنكيز
خان " كون جيشاً قوامه 120 ألف مقاتل بقيادة " هولاكو " بنفسه، قضي
به علي دولة الخوارزميين وقضي علي حضارة مدن عظيمة مثل : سمرقند وأوترار وبخاري !
وهو الجيش ذاته الذي دمر بغداد سنة 656 هـ.
قد يكون الذي لا تعلمه الآن أن هذا الجيش
الذي دمر بغداد ليس هو الذي حاربه قطز ! فهذا الجيش الذي كان يقوده ( هولاكو خان )
وهو حفيد جنكيز خان حاربه ( بركة خان ) حفيد جنكيز خان أيضاً وزعيم القبيلة
الذهبية المغولية وهي أول قبائل التتار إسلاماً [4]
لتعاطفه مع المسلمين ، وكان قد حذر ابن عمه من الهجوم علي بلاد المسلمين قبل ذلك
ولكن " هولاكو " لم يلتفت إلي تحذيره هذا وهاجم بغداد !
والذي حدث أن ( بركة خان ) قطع الإمدادات عن
هولاكو وخلعه، وأنهزم هولاكو أمام بركة خان عندما عاد في ذلك الحين.
أما معركة ( عين جالوت ) الملحمية الشهيرة !
فقد وقعت بين شراذم قليلة من جيش هولاكو ( وليس جيش دولة المغول لأن بركة خان كان
قد أنشق وحارب ابن عمه ) وكان عددهم 18 ألف مقاتل فقط ولم يكن هولاكو علي رأس
الجيش أصلاً في هذه الموقعة، ولم يستطع إمداد جنوده المهزومين بأي إمدادات نظراً
لأن جيشه قد دمر في حربه ضد ( بركة خان ).
يمكنك أن تتأكد من ذلك عبر تاريخ معركة ( عين
جالوت ) 658 هـ [5] ، وتاريخ إسلام ( بركة خان
) وكان 650 هـ ، وتاريخ إجتياح بغداد 656 هـ ، ولو أن جيش المغول نفسه الذي هاجم
بغداد قد هاجم مصر لهزم قطز وجيشه بسهولة، إذن فالإنتصار العظيم للجيش المصري علي
الجيش المغولي هائل العدد في عين جالوت هو محض أساطير. [6]
بقي لك أيضاً أن تعرف أن " قطز "
الذي كان مملوكاً، هو من أسس مبدأ ( الحُكم لمن غلب ) في مصر بعدما استخدم قوته
للجلوس علي العرش، وكان اول من أكتوي بنارها حين قتله جماعة من المماليك لينالوا
منصبه، وتجمع المماليك حول أكبرهم سناً وكان اسمه ( سنقر الأشقر ) الذي سألهم : من
الذي فعلها ؟ فتقدم بيبرس وقال : أنا فعلتها، فقال له سنقر : إجلس مكانه، فقد قال
" الحُكم لمن غلب " ! [7]
ليس الغرض من توضيح حقيقة أكثر واقعية
التقليل من شأن صلاح الدين أو قطز أو انتصاراتهما، ولكن الغرض منه توضيح إتقان
المصريين عبر الأزمنة من الفراعنة وحتي يومنا هذا لفن " صناعة الآلهة من
الحكام " وتمجيد الحكام بما لم يفعلوه حتي ينقلبوا فراعنة، دللنا علي ذلك
بالحكايات السابقة وندلل عليه بأغنيتي " اضرب " التي كانت تحفز محمد
مرسي الضعيف علي " ضرب خصومه ! " وأغنية " تسلم الأيادي "
التي تمجد من أنقلب علي إرادة شعبية ليحصل علي سلطة ليست من حقه ويقتل أبناء
المصريين، ثم يغني له مجموعة من السفلة " تسلم الأيادي "
فإلي متي سنظل في هذه الدوامات ؟!
*** يتبع
المصادر :
[1] راجع ملحمة
بنتاؤر، معركة قادش علي الرابط التالي : http://bit.ly/18HX1xm
[2] راجع نتائج موقعة
قادش الثانية، علي الرابط التالي : http://bit.ly/14xbH1i
[3] راجع سيرة محمد
خوارزم شاه الثاني، علي الرابط التالي : http://bit.ly/17dlFIn
[4] راجع سيرة ( بركة
خان ) زعيم القبيلة الذهبية علي الرابط : http://bit.ly/14xh7sU وتشير
المصادر إلي أن (بركة خان ) أسلم عام 650 هـ أي قبل 6 أعوام كاملة من تدمير بغداد
وهو ما يزكي هذه الرواية.
[5] راجع تفاصيل معركة
عين جالوت عبر الرابط : http://bit.ly/15JhkbV
[6] متاهات الوهم،
د.يوسف زيدان، الفصل الأول : أوهام المصريين ، ص 42 وحتي ص 53.



0 comments:
إرسال تعليق