السبت، 15 أكتوبر 2011

رحلة إلي شومبونجو


تلك الدولة الناشئة الصغيرة – التي صدرنا لها شبكة موبينيل القديمة كما ندعي – التي تبلغ من صغرها الحد الذي لا يصدق فيه من يزورها أنها دولة مستقلة بها مظاهر حياة عادية، قرار غريب أن تقضي اجازتك في شومبونجو ! ولكني اكاد اجزم انه المكان الوحيد الذي مازال سكانه علي حالهم منذ قديم الأزل ! يبدو أن موبينيل قد حملت إليه الماضي الذي عاشت فيه كثيراً.

هذا يومي الأول في شومبونجو، افتح التلفزيون .. اقلب القنوات .. رجل عتيق من الحكومة العتيقة أيضاً، مازال يغني بنفس الأغاني التي اعتاد عليها، بعد المرة الثلاثين التي يفوز فيها بالسلطة التشريعية والتنفيذية في البلاد، يصرخ بأعلي صوته واصفاً المعارضة بالتآمر وتدبير الكوارث للبلاد حتي تتحقق الفوضي ويتمكن المعارضون من الاستيلاء علي كرسيه الذي ما زال يرجع ملكيته إلي نفسه منذ سنين. ويحاول جاهدا أن يحذر المواطنين الكادحين من القلة المندسة التي ستنغص عليهم صفو دولتهم التي تزداد فقراً ولكن مجالها الإعلامي في ازدهار مستمر !

يئست من تكرار البرامج .. اغلقت التلفزيون .. انه صوت طرق علي الباب .. تحركت من مكاني لأعرف الامر، إنه خادم الغرف احضر لي افقر جرائد هذا البلد الفقير ! لك أن تدرك شكل الجريدة قبل قرائتها ! لا عجب انها جريدة من جرائد المعارضة تصرخ في الناس هي الأخري بأن يدركوا الامور علي حقيقتها ! وأن الرجل العتيق انما يريد أن يحتفظ بالكرسي لابنه الصغير كما هو الحال عند العرب ! المعارضة نفسها في هذا البلد تعارض بعضها ! لا تتفق في معظم الأحيان علي شيء، منهم من يريد ترك البلاد سئماً ومنهم من يحاول ادراك الأمر ! تباً لكم لقد عكرتم أجازتي ....

نزلت إلي الشارع لأرقب المارة .. أول ما يلفت نظري هو ذلك المنافق، قرد صغير يتأرجح بين هذا وذاك، ينتظر ساعات أمام عربة ذلك الرجل العتيق ايضا ليمدحه ويثني عليه ! فيرمقه الرجل العتيق بنظرة عطف تحمل  في طياتها معانٍ أخري، في لحظات تختفي السيارة ويقفز القرد إلي سيارة الرجل المعارض البالية ليثني عليه ويعتذر إليه عن عدم قدومه إلي جلسة الأمس ويعده بأنه لن يتخلف ثانية، يضيق صدر الرجل به فيلقي إليه نظرة العلم بما فيه من النفاق ! هل اتيت إلي هنا لأحكي عن قرد !! ما هذه الأجازة الكئيبة !

مشيت في شوارع كلها تشبه بعضها ! لقد عشت بعض الديموقراطية في بلادي أو ربما اظن !! ولكن للديموقراطية هنا معني مخالف تماماً ، من الممكن أن تبيع دينك هنا من أجل المنصب فهو الطريق الوحيد لتخرج من هوة الفقر التي يقبع فيها معظم السكان.. تبيع سمعتك، اسمك، .. أي شيء في سبيل ذلك، يتحول بعدها إلي قرد ليس اكثر يغني بالديموقراطية!

الغريب هنا أن السكان جميعهم تقريبا يظنون أنهم يعلمون الديموقراطية جيداً، وأن بإمكانهم رؤية ما يحدث داخل قصور الحكومة وجحور المعارضة في شاشة التلفزيون وعلي ورق الجرائد ! ليس هذا فقط بل ويعين كل منهم نفسه عالماً سياسياً يحلل الخطابات ومدلولات الكلمات ! لقد أدركت سبب فقر هذا البلد وخضوعه بعد يوم واحد فقط من اقامتي ...

الرابعة عصراً، لا أصدق نفسي وانا اشاهد الاتهامات التي يتبادلها الطرفان هنا، هي نفس الاتهامات التي كان يتبادلها مبارك وحكومته والمعارضة لدينا ! هل هذا تأثير موبينيل عليهم !! الرجل العتيق يخرج من قصره : المعارضة كاذبون، مخادعون ، اجندات اجنبية ! كل اطماعهم هي الوصول للسلطة وحينها ينقلبون حكومة فاسدة ، المعارضة تخرج من اماكنها : الحكومة كاذبة، مخادعة، .... نفس الكلام تقريباً بلا فائدة.

الخامسة عصراً، يوم واحد في هذا البلد اللعين كفيل بأن يفقدني توازني ! أرتعد لما أري ... رجل عجوز يسحل ويتم اعتقاله عياناً في وضح النهار .. انه يخطط لقلب نظام الحكم ! هذا ما قاله الناس لي، كيف لهذا العجوز البائس ان يقلب نظام الحكم ! هل أنتم مجانين حتي تصدقوا ذلك ؟ تبا لكم ايها اهل شمبونجو .. عدت إلي الغرفة التي استأجرتها لأنام .. ما زالت إجازتي هنا طويلة ... لقد سئمت منها قبل بدايتها .. تباً شومبونجو ..


يتبع....