الاثنين، 3 يناير 2011

وتغرب شمس الحب !!


لطالما اعتدت علي الجلوس في هذا المكان، وفي نفس تلك اللحظات…ذلك المنظر الحزين الذي أنتظره اليومَ تلو الآخر. علي الرغم مما يثيره في نفسي من مشاعر الحزن ولكني قد اعتدتُ علي رؤيته…ومن نفس المكان. إنها شرفة غرفتي…التي أجلس فيها كل يومٍ لأراقب الشمسَ وهي تودعني علي أمل باللقاء. لكم أعشقُ ذلكَ الشعاع الأخير الذي ترسله إلي عيني كلمةً من كلمات الوداع قبل أن تتواري بالرغم من أنه لم يصل إلي عيني قبل ذلك إلا وأجد قطرات الدموع تملأوها تماماً.
ربما كان ذلكَ بعضاً من الخيالات والأوهام. ولكنّ هذا اليوم لم يكن كغيره من الأيام. ففي تلك الأثناء التي إعتدت الجلوس فيها في ذات المكان…داهمني النوم للحظات قليلة – أو ربما أنني منْ توهمت النوم ولكن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً – رأيت علي شعاع الشمس ذلك الوجه البريء الذي طالما حلمت أن أراه…أن يصبح بين يدّي…تلك العينان الدافئتان التي تملأوها البراءة والنقاء، التي تغمر كل الناس بالدفء والأمان وتغمرني كلما رأيتها بآلاف من نظرات القسوة والتجاهل…ولكنه مثل الشمس تماماً لم يتبقي في عمره سوي بضع لحظات قلائل…فقد اختار الرحيل.

ربما لستِ بقربي، وقد لا تشعرين بما يختبيء في قلبي زماناً طويلاً ولكني بالرغم من ذلك سعيد. قمة سعادتي في أن تبقين سعيدة. بريئة طاهرة كما أنتي. سعادتي في أن يبقي حبي لكي طاهراً نقياً لم تلوثه أفعال البشر. ليتنا نعلم سر الأقدار التي تلقينا في حب أبعد الناس عنا، وتبني بيننا ألف جدار كل يوم. قد لا تلحظ هي تلك النظرات الحائرة. ربما لا تعلم أنها صارت شمسي الوحيدة التي أنتظرها كي تشرق كل يوم. شيء صعب أن تشعر أن الأقدار تعاندك وتصر علي هدمك بكل طاقتها.

أفقت من ذلك الحلم – أو الوهم – الذي كنت فيه بعد أن رحلت الشمس وكما يحدث في كل يوم تساقطت تلك القطرات علي أوراق هذا الدفتر الذي أحمله دوماً بين يديّ…وأنا لا أعلم حتي الآن هل داهمني النوم حقاً أم أنها كانت بعض الأوهام التي أصبحتُ جزءاً منها!!

لم يوقظني من هذا التفكير إلا صوت المؤذن ( الله أكبر )…فطويت تلك الصفحة وأغلقت الدفتر علي ما فيه من الدموع وتركته في مكاني…ومازال يتردد داخلي نفس الدعاء: ربي…أتُري سنعيشُ سوياً أم قُدِّرَ لي أن أظل أسيراً لتلك الصفحات…ربما!!!

خلف أسوار معهد الأورام

بخطوات سريعة عبرنا تلك البوابة الضيقة. في زيارة لأسرتنا الجميلة ( إشراقة ) لذلك المكان الذي لم أعلم ما ينتظرني فيه فتلك هي زيارتي الأولي. لم أكن أعلم حتي ماذا سأفعل. صعدنا درجات السلم لنصل وجهتنا ولا أخفي دهشتي من شدة النظافة والعناية الموجودة بالمكان لدرجة أننا إعتقدنا أننا في إحدي المستشفيات الخاصة بل وكل من كان بالمستشفي يشيد بإجتهاد الإطباء وتلك علامة مشرفة. لم أكن أعلم أنه ينتظرني بالداخل آلاف من حكايات الحزن والألم خلف تلك الأسوار. أدركت بعدها كم أنني صغير لا أتحمل شيئاً مما يتحمله هؤلاء الأطفال أو ذويهم
1.      ذاك هو حسين الطفل الذي لم يبلغ من العمر الرابعة بعد. كأي طفل آخر ظهرت في إحدي عينيه بقعة سوداء صغيرة. كان من الطبيعي أن يلجأ والده إلي ذلك الطبيب الكبير الذي أجري للطفل المسكين جراحة باءت بالفشل وليت الأمر توقف عند ذلك بل أصيب الطفل بورم كبير جدا أسفل أذنه وأعلي رقبته وداخل عينه مما أدي إلي خروج عينه من مكانها وفقدانه الإبصار تماماً بتلك العين. شهدت ذلك الألم في عيون والده الذي لم تفارقه الإبتسامة وهو يقول ( ربنا يجازيه الدكتور ) أدركت عندها حجم المسئولية التي ستلقي علي عاتقي عندما أنتهي من تلك الدراسة وأن الخطأ يكلفني الكثيير !!
2.      هناك ليس ببعيد عن حسين تستلقي صفاء إبنة الثماني سنوات تختفي مشاعرها خلف علامات المرض. واضح أنها لا تستطيع الحركة! تجاذبت أطراف الحديث مع والدتها كان الحديث عاديا جدا في بدايته. فالمسكينة مصابة بورم فوق رئتها اليمني كبير لدرجة أنه برز من ظهرها. كان كل شيء طبيعياً إلي أن ورد إلي عقلي ذاك السؤال الغريب!! أين والد صفاء؟!! خرج مني السؤال بطريقة بديهية لأجد والدتها تجيب بكل حسرة ( الله يسهله بقي يابني ) علمت بعدها أن والدها قد تركها وهي مريضة ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن ابنته المريضة التي ترقد في ذات السرير منذ 4 شهور وربما أكثر بعد أن انفصل عن والدتها. كانت صفاء في قمة الإرهاق عندما وصلنا. فقررنا أن نتحدث إليها قليلاً ونخرج الدفتر والألوان لنلعب سوياً. وللمفاجأة قامت صفاء من ذاك السرير وظهرت لديها طاقة لا أعلم مصدرها وبقيت تلعب معنا بكل نشاط حتي تركنا ذلك المكان.
3.      علي الجانب الآخر وبين أحضان أمه بقي محمد ينظر إلينا نظرة غريبة تملأوها البراءة. فهو لا يعلم من نحن! ولماذا نحن هنا! فهو ابن العام ونصف العام شاءت أقدار الرحمن أن يصاب بورم فوق الكلية ليجلس في تلك المستشفي يقضي أيام طفولته الأولي. بالطبع لم يكن يقدر علي الكلام. ولكن أشد ما لفت نظري هو والدته الشابة التي تحتضنه بين يديها. من الواضح أنه أول ابن لها. لم تفارقها الإبتسامة والأمل منذ رأيتها. ما إن قلت كلمتي الأولي حتي وجدتها تنظر أرضاً وعلي وجهها حمرة الخجل!! تجيب بكل اقتصار تظن للوهلة الأولي أنها لا تريد الحديث معك. ولكن بعد لحظات تتبين أنها شديدة الخجل. ربما لن يسعني وصف تلك السيدة ولكني أتمني أن يرزقني الله من تمتلك نصف مقدار ذاك الخجل فقط!!
الحكايات تتكرر ما بين هؤلاء الأطفال كل ما يجمعهم سوياً هو معاناتهم من المرض. ربما لم نقدم شيئاً ذا قيمة لهم فالشفاء بيد الله عز وجل. ولكننا كنا في قمة السعادة ونحن في ذلك المهرجان الصاخب في غرفة الألعاب مع الأطفال جميعاً. قمة ما لفت نظري هو توافر كل وسائل اللعب للأطفال بالمستشفي المجهز علي أعلي مستوي. حمداً لله أن لدينا في مصر صرحاً كهذا يعالج هؤلاء المساكين. البسمة علي وجه الجميع ونحن أكثر المبتسمين. ربما عدنا مع هؤلاء الأطفال صغاراً فلم نشعر بالوقت الذي مر سريعا ونحن سوياً. ولكن ككل شيء في هذه الحياة يتوجب علينا الرحيل. كم هو مقدار السعادة التي لا توصف عندما تسمع دعاء أمهات هؤلاء الأطفال لك فأنت تعلم جيداً أنها دعوات من القلب يتقبلها رب العالمين. ودعت هؤلاء الأطفال وحبست تلك الدموع خلف الابتسامة الهادئة. وخرجنا من تلك المستشفي وقد تعلمت دروساً لن أنساها أبداً. أدركت كم أنني صغير وهمي لا يساوي أي شيء مقارنة بما يحمله طفل من هؤلاء!!
خرجت من تلك البوابة الضيقة وقد سقط التعب والأرهاق علي جسدي فجأة فلم أستطع الوقوف. وفي قلبي تتردد دعوات لهؤلاء أن يشفيهم الله جميعاً. وأرجو من كل من يقرأ هذه الكلمات أن يدعو لهؤلاء الأطفال. حملتني قدماي بعيداً عن ذلك المكان وقد ألقيت عليه نظرة الوداع فهل سأعود إليه من جديد!! ففي داخله قصص لا تنتهي من الألم والحزن قد تجمعت خلف ذاك السور. قصص الأبطال الحقيقيين فهل سيمد الله في عمري حتي أشاهد هؤلاء مرة ثانية في وضع افضل!! ربما …..