الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

خصام ...


أغلقت الهاتف في وجهي بعد كلمات ظلت تتردد في أذنيّ لساعات طويلة " أنا مخاصماك "، ضحِكتُ بهستيرية غير معهودة شابتها دموع القهر المحبوسة رغماً عني. ثم أستسلمت للأفكار المتناحرة بداخلي : أتراها قد نامت ؟!! أم تنتظر أن أعتذر لها كعادتي وأبادر بالصلح ؟ لن أبادر مرة أخري علي كل حال!

استفقت من هدئة النوم علي أول شعاع للشمس ! كيف نمت في شرفتي وعلي كرسي كهذا طوال الليل ! رأسي يؤلمني الآن بشدة ولابد أن أبحث له عن علاج فوري. لم أكد أخطو من مكاني حتي أوقفتني نغمة الهاتف في هذا الوقت المبكر من الصباح ... " شفت برضو مهنتش عليا أنام وأنت زعلان مني ! "
" إنتي منمتيش لحد دلوقتي ليه ؟! "
" كنت مستنية حد يصالحني بس الظاهر إنه نسي ! ومع ذلك ولا يهمك أصالحك أنا ! "

تعودنا منذ زمن طويل علي اعتبار المشكلات تافهة، أو ربما صرنا شخصاً واحداً بالقدر الذي لم يعد مهماً فيه أينا يبادر بالصلح، ولكن عليكي الآن أن تدركي أن علاقتك بي يجب أن تنقطع في الحال !! .. مرت شهور طويلة منذ أن قررت أخبارك بتلك الحقيقة، ولكنكِ لم تعطني فرصة حتي لأتنصل من أحساسي بالذنب أو لأمتلك مثل تلك القدرة التي تعينني علي قولها !

علي كل حال لم يبق الكثير من الوقت لتدركي حقيقة الأمر " لا يصح أن نبقي متجاورين بعد الآن ! " 

لا أعلم كم من الوقت كان قد فات حتي أستفقت من غيبوبتي الفكرية لأجد نفسي علي مكتبي في العمل ! وكم من الوقت مر حتي انتهيت منه. ولا كيف أقتادتني خطاي الثقيلة إلي منزلك في هذا اليوم المشأوم عليكي والسعيد علي قلبي لأخبرك أننا يجب ألا نبقي سوياً بعد الآن ! لا يصح أن تعتبريني أماناً من الدنيا ولا أن تفكري في الإقتران بمثلي بعد الآن.

" أنت جاي تهزر يعني ! " لم يستطع عقلك الصغير وقلبك الكبير أن يدركا أنها لحظة الأفتراق أو لم يرغبا في ذلك. كان صمتي غير كافٍ لذلك أيضاً. ربما كانت ثلاثة أيام من الغياب التام بعدها خير دليل علي أنني كنت جاداً ! كنت أعلم أن لديكي مئات الأسئلة ولكنكِ أكتفيتي ب " حسبي الله ونعم الوكيل "

 كم هي عجيبة تلك الجملة الصغيرة ! حسبي الله ونعم الوكيل، عندما كنت طفلاً سمعت الأستاذ في المدرسة يدعو بها علي المدير الذي جازاه علي غيابه المتكرر بخصم ثلاثة أيام من راتبه ! وسمعت والدي يدعو بها علي من ظلمه ! وكبرت فسمعت أعتي الظالمين وأضعف المساكين أيضاً يدعو بها ! ربما علينا أن نتمهل قليلاً قبل أن نتخذ قراراً بتوجيه دعوة كهذه والتفكر قليلاً في أن الله لن يقبلها إن كانت من باطل ( الباطل والحق الإلهي ) وليس باطلنا وحقنا ! كل الناس يظن أنه علي حق وأن الله سينصفه إن دعي بها ! ولكن هيهات

لم تستفيقي من نوبة الدعاء والتأنيب والإستفهامات حتي اليوم الذي قررتي فيه أن تعاقبيني فيه مرة أخري بسماع نفس الدعوة المريرة، ثلاثون يوماً مرت منذ آخر مرة قرعتي فيها أذنيّ بدعائك ذاك !

" البقية ف حياتك يا بنتي، مات من عشر أيام وسابلك الظرف دا ، وصاني أديهولك قبل ما يدخل العمليات ! " بعد لحظات استفاقت من صدمة الخبر العجيب واستطاعت بالكاد فتح الورقة وقراءة ما بداخلها ...

عندما تكون هذه الورقة بين يديكي أكون حتماً قد فارقت الحياة، وانتهت الأنفاس الضعيفة التي كانت تربطني بها، إنها المرة الأولي والأخيرة التي أكتب فيها دون أن أحسب حساباً لكلماتي كي لا تفهم خطأً.. لا يهم كيف تفهم علي كل حال ! المهم عندي أن يعلم قلبك الحنون أنني لست بكل هذا السوء الذي تعتقدينه الآن.
وأنني لم أرغب يوماً ما في ابتعاد النبضات التي تمنحني الحياة ولكنها هي من قررت أن تبتعد عني ! ولتعلمي أنكَ كنتِ الشيء الوحيد الذي فكرت به عندما أخبروني أن أسابيع قليلة هي المتبقية في حياتي
لقد سألتني يوماً " لماذا صرنا نبتعد كل يوم حتي صرنا بالكاد أغراباً متحابين ! " لم تدركي أني كنت إلي نهايتي أقرب منك، كل شيء كان سينتهي فكيف لي أن أصدمك بالواقع جملة واحدة ! لقد فعلت كل ما بوسعي حتي تكرهيني ! حتي أن " حسبي الله ونعم الوكيل " أثارت في نفسي سعادة بقدر ما كان فيها من ألم وقسوة.
فضلت أن أصارع مصيري منفرداً علي أن تتألمي ولو للحظات لأجلي، لم أكن لأتحمل نظرات الإشفاق منكِ علي من كنتي تعتبرينه يوماً ما أماناً لك من الدنيا ! وها هي الدنيا تعصف به هو ذاته أولاً قبل كل شيء. سنوات طويلة تستعجبين فيها من قدرتي علي مواجهة الصعاب بتلك القوة ولا تعلمين أنك المصدر الوحيد لها حتي ولو لم أتألم بجانبك. لا أستطيع أن أصدمك بحقيقة أن تلك القوة المفرطة يسكن خلفها ضعف بنفس المقدار لم يعرفه أحد علي وجه الأرض سواي. ولما أقترب نفاذ القوة وظهور الضعف فضلت أن أكمل الطريق وحيداً.
ولكن أمركنَّ عجيب ... !
تعشقن الخوف إلي حد الجنون ! الخوف من المجهول والمستقبل، والخوف من الماضي والحاضر، أتذكر أنك خشيتي أن تتعلقي بي، ثم خفتي من خاتم وضعته يوماً في أصبعك، ثم خفتي من الأيام التي يمكن أن تفرقنا ! خفتِ مني وعليّ ! حتي مستقبلكم تنتظرون أن يتخذ قراره شخصٌ غيركم لتحملوه المسئولية وتصبوا عليه اللعنات إن كان قراره خطأً !
تملّون الثبات وتخافون التغَّير ! تفكرون في النهاية قبل أن تفكروا أصلاً في البداية ! إنها النزعة الدائمة للخوف والشكوي والتبرم. أو ربما هي الرغبة في أن تكون كل واحدة نسخة من صديقاتها حتي ولو كانوا جميعاً تعساء ! تماماً مثل هؤلاء الأغبياء الذين ظنوا أني أكتب قصتي ليتداولها الناس فيما بينهم !
والآن وقد انتهي كل شيء فليكن آخر ما أطلبه منكِ أن تحرقي تلك الورقة حتي لا تكون شيئاً يذكرك بماضٍ يجب أن تنسيه الآن ... ولتعلمي أن رغبتك في الإقتران الأبدّي بأحدهم محض أوهام، و انعزالك حتي تتجنبي لحظة افتراق عذاب مستمر ! إنها الحياة فلا تفكري لأبعد من الشعور بلحظات السعادة.


الجمعة، 6 سبتمبر 2013

(2) غباء الحكام وصناعة الآلهة


لم أكن أقصد من وراء سرد التزييف الواضح في تاريخ صلاح الدين الأيوبي وعيسي العوَّام في الجزء الأول أنه قائد فاشل، ولكن ما العيب في أن تقول ما له وما عليه ! الحقيقة أن النقد الذي تلقيته صورة مصغرة من داء أصيل في المصريين هو ( صناعة الآلهة ) منذ العصور الأولي التي نستطيع بالكاد إدراكها ( العصر الفرعوني ) وقد يكون لذلك أصول قبلها !

ندلل علي ذلك ببعض الأمثلة البسيطة 

إذا كنت من أصحاب الذاكرة القوية لعلك تتذكر " معركة قادش " التي انتصر فيها الملك رمسيس الثاني وبالغت كتبنا المدرسية في كيل المديح إلي عظمة ودهاء هذا الملك المنتصر علي الحيثيين ! وصورت نقوش المعابد رمسيس الثاني علي عجلته الحربية " وحيداً " يقتل الأعداء بلا مساعدة من أحد ! 

رغم ذلك كتب المؤرخ المصري القديم " بنتاؤر " في ملحمته الشعرية الأشهر في تراث الفراعنة ، أن رمسيس الثاني حين هاجم دولة الحيثيين علي حدودهم حوصر في منطقة للمستنقعات ! وكان الهلاك قادماً لا محالة حتي أنقذه " طلاب المدرسة العسكرية الحدودية " التي كانت هناك ! يقول بنتاؤر في ملحمته  أن الفرعون حين حوصر ! ناجي الرَّب " آمون " وجهر أمامه بشكواه من المصير المحدق به ، فأنقذه آمون ! [1]

أين هي العظمة إذن في أن تتم محاصرتك بالفيالق الأربعة للجيش ! ثم يهاجم الحيثيين فيلق " رع " ويدمروه كلياً ويقتل الكثير من فيلق " آمون " ! ثم أن المعركة أصلاً إنتهت بالصلح بين الطرفين وظلت قادش تحت حكم الحيثيين كما هي ! والشيء الإيجابي الوحيد كان تقدم العجلات الحربية المصرية علي عجلات الحيثيين ! [2]


حدث الشيء نفسه مع " سيف الدين قطز " القائد العظيم والمنتصر علي المغول والذي ثأر لبغداد منهم !

بالطبع درست رواية " وآإسلاماه " العظيمة، وإذا كانت ذاكرتك جيدة فبالتأكيد تتذكر التغني بالمنتصر العظيم " قطز " علي المغول ! 

ولكن هل كان الإنتصار كاملاً حقاً ؟! وهل قطز والجيش المصري آنذاك هم من صد خطر هولاكو والمغول ؟!

لنعد بالتاريخ إلي سبب هجوم المغول علي دولة المسلمين أصلاً ! لتجد أن طموح وطمع " محمد خوارزم شاه " هو السبب الأول في ذلك، فقد بدأ طموحه التوسعي بالرغبة في ضم العراق ( وكانت تسمي بلاد فارس ) إليه ( وكانت أوزباكستان الحالية هي المملكة الخوارزمية آنذاك ) ولكن جيشه ضُرِب بعاصفة ثلجية في الجبال وقتل معظمه وخطف الأكراد ما تبقي منه ( ومن هنا نشأت الخرافة الكبري بأن بغداد محروسة وهي محض خزعبلات فقد أبيدت بغداد بعدها بسنوات ) لم يجد بُدَّاً من الهجوم علي مملكة المغول " وكان حاكمها آنذاك جنكيز خان " ليحقق طموحاته التوسعية. [3]

تشير المصادر التاريخية إلي أن " جنكيز خان " كون جيشاً قوامه 120 ألف مقاتل بقيادة " هولاكو " بنفسه، قضي به علي دولة الخوارزميين وقضي علي حضارة مدن عظيمة مثل : سمرقند وأوترار وبخاري ! وهو الجيش ذاته الذي دمر بغداد سنة 656 هـ.

قد يكون الذي لا تعلمه الآن أن هذا الجيش الذي دمر بغداد ليس هو الذي حاربه قطز ! فهذا الجيش الذي كان يقوده ( هولاكو خان ) وهو حفيد جنكيز خان حاربه ( بركة خان ) حفيد جنكيز خان أيضاً وزعيم القبيلة الذهبية المغولية وهي أول قبائل التتار إسلاماً [4] لتعاطفه مع المسلمين ، وكان قد حذر ابن عمه من الهجوم علي بلاد المسلمين قبل ذلك ولكن " هولاكو " لم يلتفت إلي تحذيره هذا وهاجم بغداد !

والذي حدث أن ( بركة خان ) قطع الإمدادات عن هولاكو وخلعه، وأنهزم هولاكو أمام بركة خان عندما عاد في ذلك الحين.

أما معركة ( عين جالوت ) الملحمية الشهيرة ! فقد وقعت بين شراذم قليلة من جيش هولاكو ( وليس جيش دولة المغول لأن بركة خان كان قد أنشق وحارب ابن عمه ) وكان عددهم 18 ألف مقاتل فقط ولم يكن هولاكو علي رأس الجيش أصلاً في هذه الموقعة، ولم يستطع إمداد جنوده المهزومين بأي إمدادات نظراً لأن جيشه قد دمر في حربه ضد ( بركة خان ).

يمكنك أن تتأكد من ذلك عبر تاريخ معركة ( عين جالوت ) 658 هـ [5] ، وتاريخ إسلام ( بركة خان ) وكان 650 هـ ، وتاريخ إجتياح بغداد 656 هـ ، ولو أن جيش المغول نفسه الذي هاجم بغداد قد هاجم مصر لهزم قطز وجيشه بسهولة، إذن فالإنتصار العظيم للجيش المصري علي الجيش المغولي هائل العدد في عين جالوت هو محض أساطير. [6]

بقي لك أيضاً أن تعرف أن " قطز " الذي كان مملوكاً، هو من أسس مبدأ ( الحُكم لمن غلب ) في مصر بعدما استخدم قوته للجلوس علي العرش، وكان اول من أكتوي بنارها حين قتله جماعة من المماليك لينالوا منصبه، وتجمع المماليك حول أكبرهم سناً وكان اسمه ( سنقر الأشقر ) الذي سألهم : من الذي فعلها ؟ فتقدم بيبرس وقال : أنا فعلتها، فقال له سنقر : إجلس مكانه، فقد قال " الحُكم لمن غلب " ! [7]

ليس الغرض من توضيح حقيقة أكثر واقعية التقليل من شأن صلاح الدين أو قطز أو انتصاراتهما، ولكن الغرض منه توضيح إتقان المصريين عبر الأزمنة من الفراعنة وحتي يومنا هذا لفن " صناعة الآلهة من الحكام " وتمجيد الحكام بما لم يفعلوه حتي ينقلبوا فراعنة، دللنا علي ذلك بالحكايات السابقة وندلل عليه بأغنيتي " اضرب " التي كانت تحفز محمد مرسي الضعيف علي " ضرب خصومه ! " وأغنية " تسلم الأيادي " التي تمجد من أنقلب علي إرادة شعبية ليحصل علي سلطة ليست من حقه ويقتل أبناء المصريين، ثم يغني له مجموعة من السفلة " تسلم الأيادي "

فإلي متي سنظل في هذه الدوامات ؟!

*** يتبع
المصادر :

[1] راجع ملحمة بنتاؤر، معركة قادش علي الرابط التالي : http://bit.ly/18HX1xm
[2] راجع نتائج موقعة قادش الثانية، علي الرابط التالي : http://bit.ly/14xbH1i
[3] راجع سيرة محمد خوارزم شاه الثاني، علي الرابط التالي : http://bit.ly/17dlFIn
[4] راجع سيرة ( بركة خان ) زعيم القبيلة الذهبية علي الرابط : http://bit.ly/14xh7sU وتشير المصادر إلي أن (بركة خان ) أسلم عام 650 هـ أي قبل 6 أعوام كاملة من تدمير بغداد وهو ما يزكي هذه الرواية.
[5] راجع تفاصيل معركة عين جالوت عبر الرابط : http://bit.ly/15JhkbV
[6] متاهات الوهم، د.يوسف زيدان، الفصل الأول : أوهام المصريين ، ص 42 وحتي ص 53.
[7] متاهات الوهم، د.يوسف زيدان، مصر المستهدفة ، ص 51.

الأحد، 1 سبتمبر 2013

عشان متنضربش علي قفاك ( 1 ) | عيسي .. المسيحي المسلم !



استعرت عنوان كتاب المبدع " عمر عفيفي " الذي يحمل ذات القسم الأول من عنوان المقال، الذي خصصه ليعرف المواطن المصري بحقوقه وواجباته القانونية الأساسية " عشان ميتضربش علي قفاه " ولكني فضلت التحدث عن نوع آخر من " الضرب علي القفا " الذي سبب كل كمية الجهل والتخبط الحالية " الخداع الإعلامي ".

قد تكون القيم جميلة ولا تثريب عليها، لكنك تضربها في مقتل إن حاولت نشرها بالغش والتدليس. كان ذلك واضحاً في شخصية " عيسي العوَّام " التي تقمسها صلاح ذو الفقار بإمتياز. أعترف أن مشهد تهنئة المسلمين لأخاهم المسيحي بعيده كما أمرهم " صلاح الدين " كان محلاً لإعجاب كبير. وبدون الخوض في مهاترات من نوعية حرمة التهنئة أو جوازها : هل كان عيسي العوّام مسيحياً فعلاً ؟!!

قبل أن نجيب علي السؤال دعني أخبرك أن فيلم " الناصر صلاح الدين " قام بكتابته ثلاثة من أشهر الكتاب حينها { محمد عبدالجواد ، نجيب محفوظ و عبدالرحمن الشرقاوي }

لا يمكن لمن في حجم وتاريخ هؤلاء أن يسقط منهم " سهواً " أن عيسي العوام كان رجلاً مسيحياً ( يعقوبياً ) ! بل وجعلوه قائداً عسكرياً في الجيش في الوقت الذي كان فيه المسيحيون في مصر والشام أصلاً يدفعون الجزية مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية وهو نظام الدولة آنذاك ولو كان مطبقاً حتي اليوم لنفذه الكثير من المسلمين والمسيحيين علي حد سواء
 
بل وكانت السقطة الأكبر حين أقترن عيسي العوام ( اليعقوبي الأرثوزكسي ) براهبة من الكاثوليك ( جيش العدو ) في الوقت الذي كان الأرثوزكس يرون فيه الكاثوليك كفاراً وما زالوا فضلاً عن أن الراهبات أصلاً لا يرتبطن بالرجال.

دعني أخبرك للعجب أن عيسي العوّام الذي أخبرت عنه المصادر التاريخية كان رجلاً " مسلماً " ينقل المؤن إلي القلاع المحاصرة. ثم أن عيسي العوّام مات غريقاً أثناء قيامه بنقل حمولةٍ إلي أحدي القلاع، وللعجب أن الحمولة بعد موته طفتَ حتي وصلت إلي القلعة فعلاً حتي قال عنه معاصروه آنذاك أن عيسي العوَّام { أدي الأمانة حياً وميتاً } *

لا أعتقد أن محاولة ترضية طائفة معينة أياً كانت ديانتها تكفي لتزييف التاريخ. 

لا يفوتنا ونحن نتحدث عن الفيلم التاريخي العظيم " الناصر صلاح الدين " أن نتحدث عن أن الفيلم تم إنتاجه عام 1963 م بتكلفة بلغت حينها 73 ألف جنيه مصري وهو رقم كبير جداً آنذاك أدي إلي إفلاس منتجة الفيلم ( آسيا )، فلجأت الحكومة المصرية إلي تعويض المنتجة عن طريق تسويق بعض الأعمال وإسناد الأخري إليها.
ولتعلم أن العدد الرهيب من الممثلين في جيوش هذا الفيلم هم مجندون في الجيش المصري في ذات العام. بعد عودتهم من " حرب اليمن " وقبل أعوام قليلة من احتلال الصهيونيين لسيناء.

دعنا الآن من كل هذا إلي الشخصية الأساسية " الناصر أحمد مظهر " لنتحدث عنه قليلاً !

تشير المصادر التاريخية إلي أن " صلاح الدين " كان قائداً عسكرياً { خائناً } للسلطان نور الدين الذي " أرسله " علي رأس جيش من دمشق إلي مصر بغرض وحيد هو " تأمين الحدود ضد هجمات الصليبيين " لكن صلاح الدين ترك الأمر ومهّد لنفسه ولأقاربه ! السلطة. حتي أن السلطان نور الدين قد جهز بنفسه جيشاً لمحاربة صلاح الدين ولكنه توفي ليلة خروج الجيش. فقام صلاح الدين بإستمالة بعض قواد الجيش ومحاربة البعض الآخر حتي أستقر شأن السلطة في يده !

كما تشير ذات المصادر إلي أن " صلاح الدين " في هذا الوقت الأخير كان قائداً عسكرياً للملك نور الدين ( السُنّي ) و وزيراً للحاكم الفاطمي في مصر ( وكان الحاكم شيعياً ! ) مع أن الدولتين كانتا في حالة حرب طاحنة وقتها!

حاول صلاح الدين إقتحام القدس عسكرياً لإنتزاعها من الصليبيين، لكنه ( كما تشير المصادر لم يفلح في انتزاعها إلا صُلحاً عام 583 هـ ) ثم أعادها خلفاؤه الأيوبيين ثانية إلي الصليبيين كهدية عام 628 هـ ) 

وأخيراً إذا كنت ممن شاهدوا الفيلم مرات ومرات مثلي، فقد تناهي إلي سمعك بالتأكيد تكرار تسمية مدينة القدس المتنازع عليها ب " أورشليم " ! رغم أن المسلمون الأوائل والمسيحيون أيضاً لم يعرفوا لهذه المدينة إسماً غير " إيليا " ، أما " أورشليم " فهي تسمية يهودية لمدينة قديمة كانت موجودة في هذا الموضع ثم هدمها " إيليوس هادريان " وبني ( علي مقربة منها ) مدينة " إيليا " أو " إيلياء " نسبة إليه ! 

أما الإسم العبري " أورشليم " فقد تم إستعادته بعد قرون من ذلك علي يد المسيحيين لإضفاء قداسة علي المدينة. ولا يفوتنا أن كلمة " القدس " أو " بيت المقدس " هي التسمية العربية الإسلامية للمدينة إستناداً إلي التسمية العبرية القديمة " بيت هاميقداش "

بقي لك بعد كل هذا أن تحاول بنفسك مراجعة المصادر التاريخية وتبين الحقيقة دون ميل لأحد الأطراف مسبقاً وأظن أنه بقي أيضاً أن تشك في كل ما قدموه لك خلال سنواتك السابقة كذباً وافتراء.

 **** يتبع

المصادر :
-         1- المقال الثاني من سباعية أوهام المصريين " الناصر أحمد مظهر " – جريدة المصري اليوم – د.يوسف زيدان. تم نشره في سبتمبر 2010.
-        2-  متاهات الوهم ، د. يوسف زيدان ، طبعة دار الشروق الثانية 2013 م، ص 19 حتي ص 25 من فصل أوهام المصريين.
-        3- النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ، بهاء الدين بن شداد - يروي عنه ما نصّه { ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عواماً (( مسلماً )) كان يقال له عيسى ، وكان يدخل إلى البلد – يعني عكا أثناء حصار الفرنج لها – بالكتب والنفقات على وسطه – أي يربطه على وسطه - ليلاً على غرة من العدو ، وكان يعوم ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو ، وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس ، فيها ألف دينار وكتب للعسكر ، وعام في البحر فجرى عليه من أهلكه ، وأبطأ خبره عنا ، وكانت عادته أنه إذا دخل البلد طار طير عرّفنا بوصوله ، فأبطأ الطير ، فاستشعر الناس هلاكه ، ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد ، وإذا البحر قد قذف إليهم ميتاً غريقاً ، فافتقدوه – أي تفقدوه - فوجدوه عيسى العوام ، ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب ، وكان الذهب نفقة للمجاهدين ، فما رُئي من أدّى الأمانة في حال حياته وقد أدّاها بعد وفاته ، إلا هذا الرجل. وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب أيضاً‏ }
         4- سيرة إيليوس هادريان إمبراطور روما 117 إلي 138 بعد الميلاد، راجع الرابط ( http://bit.ly/1abm6Yk ).
         5- عيسي العوام القائد المسلم ، راجع الرابط ( http://bit.ly/15qn2q2 )