أغلقت الهاتف في وجهي بعد كلمات ظلت تتردد في أذنيّ لساعات طويلة "
أنا مخاصماك "، ضحِكتُ بهستيرية غير معهودة شابتها دموع القهر المحبوسة رغماً
عني. ثم أستسلمت للأفكار المتناحرة بداخلي : أتراها قد نامت ؟!! أم تنتظر أن أعتذر
لها كعادتي وأبادر بالصلح ؟ لن أبادر مرة أخري علي كل حال!
استفقت من هدئة النوم علي أول شعاع للشمس ! كيف نمت في شرفتي وعلي كرسي
كهذا طوال الليل ! رأسي يؤلمني الآن بشدة ولابد أن أبحث له عن علاج فوري. لم أكد
أخطو من مكاني حتي أوقفتني نغمة الهاتف في هذا الوقت المبكر من الصباح ... "
شفت برضو مهنتش عليا أنام وأنت زعلان مني ! "
" إنتي منمتيش لحد دلوقتي ليه ؟! "
" كنت مستنية حد يصالحني بس الظاهر إنه نسي ! ومع ذلك ولا يهمك أصالحك
أنا ! "
تعودنا منذ زمن طويل علي اعتبار المشكلات تافهة، أو ربما صرنا شخصاً واحداً
بالقدر الذي لم يعد مهماً فيه أينا يبادر بالصلح، ولكن عليكي الآن أن تدركي أن
علاقتك بي يجب أن تنقطع في الحال !! .. مرت شهور طويلة منذ أن قررت أخبارك بتلك
الحقيقة، ولكنكِ لم تعطني فرصة حتي لأتنصل من أحساسي بالذنب أو لأمتلك مثل تلك
القدرة التي تعينني علي قولها !
علي كل حال لم يبق الكثير من الوقت لتدركي حقيقة الأمر " لا يصح أن
نبقي متجاورين بعد الآن ! "
لا أعلم كم من الوقت كان قد فات حتي أستفقت من غيبوبتي الفكرية لأجد نفسي
علي مكتبي في العمل ! وكم من الوقت مر حتي انتهيت منه. ولا كيف أقتادتني خطاي
الثقيلة إلي منزلك في هذا اليوم المشأوم عليكي والسعيد علي قلبي لأخبرك أننا يجب
ألا نبقي سوياً بعد الآن ! لا يصح أن تعتبريني أماناً من الدنيا ولا أن تفكري في
الإقتران بمثلي بعد الآن.
" أنت جاي تهزر يعني ! " لم يستطع عقلك الصغير وقلبك الكبير أن
يدركا أنها لحظة الأفتراق أو لم يرغبا في ذلك. كان صمتي غير كافٍ لذلك أيضاً. ربما
كانت ثلاثة أيام من الغياب التام بعدها خير دليل علي أنني كنت جاداً ! كنت أعلم أن
لديكي مئات الأسئلة ولكنكِ أكتفيتي ب " حسبي الله ونعم الوكيل "
كم هي عجيبة تلك الجملة الصغيرة ! حسبي الله ونعم الوكيل، عندما كنت طفلاً سمعت الأستاذ في المدرسة يدعو بها علي المدير الذي جازاه علي غيابه المتكرر بخصم ثلاثة أيام من راتبه ! وسمعت والدي يدعو بها علي من ظلمه ! وكبرت فسمعت أعتي الظالمين وأضعف المساكين أيضاً يدعو بها ! ربما علينا أن نتمهل قليلاً قبل أن نتخذ قراراً بتوجيه دعوة كهذه والتفكر قليلاً في أن الله لن يقبلها إن كانت من باطل ( الباطل والحق الإلهي ) وليس باطلنا وحقنا ! كل الناس يظن أنه علي حق وأن الله سينصفه إن دعي بها ! ولكن هيهات
لم تستفيقي من نوبة الدعاء والتأنيب والإستفهامات حتي اليوم الذي قررتي فيه
أن تعاقبيني فيه مرة أخري بسماع نفس الدعوة المريرة، ثلاثون يوماً مرت منذ آخر مرة
قرعتي فيها أذنيّ بدعائك ذاك !
" البقية ف حياتك يا بنتي، مات من عشر أيام وسابلك الظرف دا ، وصاني
أديهولك قبل ما يدخل العمليات ! " بعد لحظات استفاقت من صدمة الخبر العجيب
واستطاعت بالكاد فتح الورقة وقراءة ما بداخلها ...
عندما تكون هذه الورقة بين يديكي أكون حتماً قد فارقت الحياة، وانتهت الأنفاس الضعيفة التي كانت تربطني بها، إنها المرة الأولي والأخيرة التي أكتب فيها دون أن أحسب حساباً لكلماتي كي لا تفهم خطأً.. لا يهم كيف تفهم علي كل حال ! المهم عندي أن يعلم قلبك الحنون أنني لست بكل هذا السوء الذي تعتقدينه الآن.وأنني لم أرغب يوماً ما في ابتعاد النبضات التي تمنحني الحياة ولكنها هي من قررت أن تبتعد عني ! ولتعلمي أنكَ كنتِ الشيء الوحيد الذي فكرت به عندما أخبروني أن أسابيع قليلة هي المتبقية في حياتيلقد سألتني يوماً " لماذا صرنا نبتعد كل يوم حتي صرنا بالكاد أغراباً متحابين ! " لم تدركي أني كنت إلي نهايتي أقرب منك، كل شيء كان سينتهي فكيف لي أن أصدمك بالواقع جملة واحدة ! لقد فعلت كل ما بوسعي حتي تكرهيني ! حتي أن " حسبي الله ونعم الوكيل " أثارت في نفسي سعادة بقدر ما كان فيها من ألم وقسوة.فضلت أن أصارع مصيري منفرداً علي أن تتألمي ولو للحظات لأجلي، لم أكن لأتحمل نظرات الإشفاق منكِ علي من كنتي تعتبرينه يوماً ما أماناً لك من الدنيا ! وها هي الدنيا تعصف به هو ذاته أولاً قبل كل شيء. سنوات طويلة تستعجبين فيها من قدرتي علي مواجهة الصعاب بتلك القوة ولا تعلمين أنك المصدر الوحيد لها حتي ولو لم أتألم بجانبك. لا أستطيع أن أصدمك بحقيقة أن تلك القوة المفرطة يسكن خلفها ضعف بنفس المقدار لم يعرفه أحد علي وجه الأرض سواي. ولما أقترب نفاذ القوة وظهور الضعف فضلت أن أكمل الطريق وحيداً.ولكن أمركنَّ عجيب ... !تعشقن الخوف إلي حد الجنون ! الخوف من المجهول والمستقبل، والخوف من الماضي والحاضر، أتذكر أنك خشيتي أن تتعلقي بي، ثم خفتي من خاتم وضعته يوماً في أصبعك، ثم خفتي من الأيام التي يمكن أن تفرقنا ! خفتِ مني وعليّ ! حتي مستقبلكم تنتظرون أن يتخذ قراره شخصٌ غيركم لتحملوه المسئولية وتصبوا عليه اللعنات إن كان قراره خطأً !تملّون الثبات وتخافون التغَّير ! تفكرون في النهاية قبل أن تفكروا أصلاً في البداية ! إنها النزعة الدائمة للخوف والشكوي والتبرم. أو ربما هي الرغبة في أن تكون كل واحدة نسخة من صديقاتها حتي ولو كانوا جميعاً تعساء ! تماماً مثل هؤلاء الأغبياء الذين ظنوا أني أكتب قصتي ليتداولها الناس فيما بينهم !والآن وقد انتهي كل شيء فليكن آخر ما أطلبه منكِ أن تحرقي تلك الورقة حتي لا تكون شيئاً يذكرك بماضٍ يجب أن تنسيه الآن ... ولتعلمي أن رغبتك في الإقتران الأبدّي بأحدهم محض أوهام، و انعزالك حتي تتجنبي لحظة افتراق عذاب مستمر ! إنها الحياة فلا تفكري لأبعد من الشعور بلحظات السعادة.




